صرواح.. المدينة التي كانت عاصمة سبأ الثانية

مدينة صرواح التاريخية مدينة صرواح التاريخية

في غرب مأرب، وبين الجبال والوديان، تقف بقايا مدينة قديمة حملت اسمها عبر أكثر من ألفي عام.

إنها صرواح، المدينة السبئية التي كانت واحدة من أهم مراكز مملكة سبأ، وأحد الموقعين الحضريين الرئيسيين في المملكة إلى جانب مأرب.

اليوم تبدو صرواح هادئة وسط الجبال، لكن حجارتها تخبر عن مدينة كان لها شأن سياسي وديني كبير، وعن مملكة امتدت قوتها عبر جنوب الجزيرة العربية وارتبط ازدهارها بتجارة البخور والطرق التجارية القديمة. وتدرج اليونسكو مدينة صرواح ضمن المكونات السبعة لمعالم مملكة سبأ القديمة في مأرب المدرجة على قائمة التراث العالمي.

مدينة بين الجبال

تقع صرواح إلى الغرب من مأرب، عند الأطراف الشرقية للمرتفعات اليمنية، في منطقة تجمع بين الجبال والوديان والواحات.

هذا الموقع منح المدينة طبيعة مختلفة عن مأرب، لكنه لم يمنعها من أن تصبح مركزا مهما في المملكة.

وتشير الدراسات الأثرية إلى أن الاستيطان في المنطقة يعود إلى منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، بينما أصبحت صرواح في مطلع الألف الأول قبل الميلاد جزءا من مملكة سبأ، ثم تطورت فيها مدينة محصنة ومراكز دينية ومبان ضخمة.

مدينة لها مكانتها في سبأ

عندما تتحدث اليونسكو عن مملكة سبأ، تضع مأرب وصرواح في قلب المشهد الحضري للمملكة.

كانت مأرب العاصمة المسورة والمركز الإداري والاقتصادي والثقافي، بينما كانت صرواح مدينة محصنة ذات أهمية سياسية وعسكرية، وترجح اليونسكو أنها ربما أدت دور العاصمة العسكرية للمملكة.

وهذا يمنح صرواح مكانة خاصة في تاريخ سبأ، فهي لم تكن مدينة صغيرة على هامش المملكة، بل مركزا شارك في تشكيل القوة السياسية والحضارية التي جعلت سبأ واحدة من أبرز ممالك جنوب الجزيرة العربية القديمة.

سور يحمي المدينة

كانت صرواح مدينة محصنة، وتشير أعمال التنقيب إلى أن المدينة القديمة كانت تمتد على مساحة تقارب ثلاثة هكتارات داخل سور دفاعي، وتضم مباني دينية وإدارية ومنشآت تمثل جوانب مختلفة من الحياة.

وما بقي من الأسوار والمباني يمنح صورة عن مدينة جرى تخطيطها وبناؤها في مجتمع يمتلك قدرة واضحة على التنظيم والهندسة، ولم تكن الحصون مجرد جدران لحماية السكان، بل جزءا من نظام عمراني يعكس مكانة المدينة ودورها.

معبد المقه.. قلب صرواح

في قلب المدينة يقف أحد أهم آثارها، معبد المقه، وهو أحد أبرز الآلهة في الديانة السبئية القديمة، ووجود معبد ضخم مكرس له في صرواح يكشف عن المكانة الدينية التي احتلتها المدينة.

ويعد معبد المقه أكبر المعابد المكتشفة في صرواح، وكانت مرحلته الرئيسية في منتصف القرن السابع قبل الميلاد، مع وجود بناء أقدم يعود إلى بدايات الألف الأول قبل الميلاد، واستمر استخدامه حتى القرن الثالث الميلادي تقريبا.

نحن أمام مجمع ديني كبير احتفظت بعض أجزائه بارتفاعات لافتة، ويحيط به جدار نصف بيضاوي يصل ارتفاع بعض أجزائه الباقية إلى نحو ثمانية أمتار.

سبعة أمتار من تاريخ سبأ

من أكثر ما يلفت النظر داخل المعبد وجود حجرين ضخمين يحمل كل منهما نقشا سبئيا، ويبلغ طول كل واحد منهما نحو سبعة أمتار.

وتنسب النقوش إلى حكام سبئيين، ومن بينها نقش للملك يثع أمر وتر بن يكرب ملك، وآخر مرتبط بالملك كرب إيل وتر.

هذه النقوش ليست مجرد كتابات على الحجر، بل وثائق تاريخية تساعد الباحثين على فهم السلطة والحكم والدين والعلاقات السياسية في مملكة سبأ، ويعدها المعهد الألماني للآثار من أبرز الشواهد التي ساهمت في إعادة بناء تاريخ المملكة وبنيتها السياسية.

عندما يتحدث المعبد عن حياة الناس

تكشف بقايا معبد المقه عن تفاصيل تتجاوز الجانب الديني، فقد عثر الباحثون على مذابح ومنشآت مرتبطة بالطقوس، وأماكن للوجبات الطقسية، وبقايا عظام لحيوانات قدمت قرابين، وغرفة لحفظ النذور، إضافة إلى مئات القرابين التي قدمها زوار المعبد.

كل ذلك يعطي صورة عن مجتمع كانت فيه المعابد جزءا مهما من الحياة العامة، وعن طقوس دينية منظمة شارك فيها عدد كبير من الناس.

مدينة تحكيها النقوش

ميزة صرواح الكبرى أن الحجر فيها لم يحتفظ بالمباني فقط، بل احتفظ بالكلمات أيضا، فالنقوش السبئية المنتشرة في المدينة تساعد الباحثين على قراءة جوانب من تاريخ المملكة، من أسماء الحكام إلى الأحداث السياسية والممارسات الدينية.

ولهذا كانت الدراسات الأثرية في صرواح مهمة في فهم بنية الحكم السبئي، والعلاقات السياسية والاقتصادية، وتطور العمارة الدينية في المملكة، وفي عالم لم تكن فيه الكتب بالشكل الذي نعرفه اليوم، أصبحت هذه النقوش واحدة من أهم الوسائل التي حفظت بها سبأ شيئا من تاريخها.

مدينة لم تعش على الدين وحده

رغم شهرة معبد المقه، فإن صرواح لم تكن مدينة معابد فقط، فقد كشفت أعمال التنقيب عن مبان إدارية وتمثيلية ومنشآت داخل المدينة، إلى جانب الأسوار والبنية العمرانية، كما تكشف آثارها عن ارتباط صرواح بشبكات سياسية واقتصادية وثقافية امتدت داخل المملكة وخارجها.

مدينة ازدهرت ثم تغير الزمن

مرت صرواح بمراحل مختلفة من الازدهار، وتشير الأدلة الأثرية إلى نشاط عمراني كبير في النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد، ثم تقل الأدلة على أعمال البناء في النصف الثاني منه.

وعادت المدينة إلى النشاط الاقتصادي بصورة أوضح قرب بداية العصر الميلادي، قبل أن يؤدي تفكك مملكة سبأ في القرن الثالث الميلادي إلى نهاية مرحلة مهمة من تاريخها، ثم بدأت المدينة تهجر تدريجيا.

صرواح تدخل ذاكرة العالم

لم تعد صرواح اليوم مجرد موقع أثري يقرأه الباحثون في الكتب، ففي عام 2023 أدرجت اليونسكو معالم مملكة سبأ القديمة في مأرب على قائمة التراث العالمي، ويشكل موقع صرواح أحد المكونات السبعة لهذا الملف.

وتضم القائمة أيضا مدينة مأرب القديمة، ومعبدي أوام وبرآن، وثلاثة مكونات من منظومة سد مأرب القديمة، لكن الموقع أدرج كذلك على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، في ظل التهديدات المرتبطة بالصراع في اليمن.

صرواح.. مدينة لم تختف

ربما غابت المدينة عن الحياة اليومية منذ قرون طويلة، لكن صرواح لم تختف تماما، فالسور لا يزال يتحدث عن المدينة، والمعبد عن معتقداتها، والنقوش عن حكامها، والأحجار عن مهارة بنائها.

وحين نقف أمام معبد المقه، أو نقرأ أسماء الملوك المحفورة على أحجاره، فإننا لا نرى مجرد بقايا مملكة قديمة، بل نرى جزءا من قصة سبأ نفسها.

قصة مدينة عاشت بين الجبال، وشاركت في صناعة قوة مملكة امتدت عبر جنوب الجزيرة العربية، ثم بقيت آثارها تنتظر من يعيد قراءة حكايتها.

وهذه هي صرواح في ذاكرة سبأ، مدينة لم تعد عاصمة، لكنها بقيت شاهدا، مدينة خفت صوتها، لكن نقوشها ما زالت تتحدث، مدينة غادرتها الحياة، ولم يغادرها التاريخ.

ذاكرة سبأ | هيلان برس