قبل أن تصبح مأرب اسما محفورا في كتب التاريخ، كانت حكاية سبأ قد قطعت طريقا أطول من طرق القوافل التي عبرت جنوب الجزيرة العربية.
وفي قلب هذه الحكاية تظهر امرأة حملت الذاكرة اسمها عبر القرون: ملكة سبأ، التي عرفت في التراث الإسلامي باسم بلقيس، وأصبحت واحدة من أشهر الشخصيات المرتبطة بمملكة سبأ ومأرب.
قصة بلقيس ليست مجرد حكاية ملكة وقصر وسفارة بعيدة، إنها قصة مدينة ومملكة وطريق تجاري وحضارة تمكنت من تحويل أرض شحيحة المياه إلى واحدة من أبرز مراكز العمران والتجارة في جنوب الجزيرة العربية.
من هي ملكة سبأ؟
يذكر القرآن الكريم قصة ملكة سبأ في سورة النمل، ضمن قصة النبي سليمان عليه السلام، حيث يرد الحديث عن امرأة تملك قومها، وتوصف بامتلاكها عرشا عظيما، ثم تصل قصتها إلى سليمان عبر الهدهد الذي أخبره بوجود قوم تحكمهم امرأة ويسجدون للشمس.
وتنتهي القصة بلقاء الملكة بسليمان وإعلانها إيمانها بالله.
واسم بلقيس هو الاسم الذي رسخ في التراث والتقاليد الإسلامية والأدبية لملكة سبأ التي حكمت من مأرب عاصمة مملكة سبأ.

مأرب.. المكان الذي خرجت منه الحكاية
لم تأت شهرة سبأ من الرواية وحدها.
فمأرب كانت عاصمة مملكة سبأ ومركزها الإداري والاقتصادي والثقافي، بحسب اليونسكو، وكانت جزءا أساسيا من شبكة تجارة البخور التي ربطت جنوب الجزيرة العربية بمناطق واسعة وصولا إلى البحر المتوسط وشرق أفريقيا.
وفي هذه المدينة نشأت منظومة عمرانية واقتصادية متقدمة، لم تكن تعتمد على التجارة وحدها، بل على إدارة المياه والزراعة وتنظيم المجتمع.
وكان سد مأرب قلب هذه المنظومة.
فالمياه التي كانت تصل إلى الوادي لم تترك للفيضان والفوضى، بل جرى تنظيمها عبر سد وقنوات ومنشآت مائية سمحت بري مساحات واسعة من الأراضي، وأسهمت في نشوء واحة زراعية ضخمة في قلب البيئة الجافة. وتصف اليونسكو منظومة الري القديمة في مأرب بأنها واحدة من أبرز الإنجازات الهندسية في جنوب الجزيرة العربية، وأسهمت في إنشاء أكبر واحة اصطناعية معروفة في الجزيرة العربية القديمة.
ومن هنا يمكن فهم البيئة التي نشأت فيها قصة ملكة سبأ: مدينة غنية، مملكة منظمة، تجارة عابرة للأقاليم، ومجتمع استطاع أن يجعل من الماء أساسا للازدهار، وحكمتها الملكة بلقيس من عاصمتها مأرب.

عرش يليق بمملكة عظيمة
ارتبط اسم بلقيس في المخيال العربي بعرشها الشهير.
والقرآن يصف ملكة سبأ بأنها صاحبة عرش عظيم، في مشهد يعكس قوة المملكة وهيبة سلطتها، قبل أن تنتقل القصة إلى الحوار مع سليمان.
ومأرب نفسها تحتفظ بآثار تكشف عن مستوى عال من التنظيم السياسي والديني والاقتصادي؛ من المدن والأسوار إلى المعابد والمنشآت المائية والنقوش التي توثق جوانب متعددة من حياة المجتمع السبئي الذي حكمته الملكة بلقيس.
معبد أوام.. حيث بقي اسم بلقيس حاضرا
على مسافة من مدينة مأرب القديمة يقف أحد أشهر آثار الحضارة السبئية: معبد أوام، المعروف على نطاق واسع باسم محرم بلقيس.
ويعد المعبد أحد أبرز المواقع الأثرية المرتبطة بمملكة سبأ، وقد ارتبط اسمه في الذاكرة الشعبية ببلقيس ملكة سبأ من مأرب.
وتوثق اليونسكو معبد أوام ضمن المعالم السبئية الكبرى في مأرب، إلى جانب معبدي حرونم وبران، وتشير إلى أن هذه المعابد كانت مرتبطة بطريق احتفالي للحج استقطب جماعات من مناطق مختلفة من الجزيرة العربية.
وبرآن.. عرش بلقيس
وعلى الطرف الآخر من الحكاية يقف معبد برآن، الذي اشتهر باسم عرش بلقيس.
ويعد المعبد من أبرز رموز العمارة السبئية في مأرب، وقد ارتبط اسمه ببلقيس ملكة سبأ التي حكمت من مأرب.
وتؤكد وثائق الترشيح المقدمة إلى اليونسكو أن معبدي أوام وبرآن أصبحا من أقوى الرموز المرتبطة بالهوية الحضارية اليمنية وبتاريخ الملكة بلقيس في مأرب.

من مأرب إلى العالم
قوة حكاية بلقيس في أنها لم تبق محصورة في جغرافيا اليمن.
فذكر ملكة سبأ ارتبط عبر قرون بتقاليد دينية وثقافية متعددة، وأصبحت قصتها جزءا من الذاكرة المشتركة في الشرق الأوسط وأفريقيا وغيرها، وخرجت من مأرب عاصمة سبأ إلى العالم.
أما مأرب، فقد بقيت شاهدا ماديا على المملكة التي خرجت منها تلك الحكاية.
مدن وأسوار.
معابد ضخمة.
نقوش حجرية.
طرق للقوافل.
وسد غير وجه الصحراء.
كل ذلك جعل اسم سبأ يتجاوز حدود الرواية ليصبح حضارة يمكن قراءة آثارها على الأرض، حكمتها الملكة بلقيس من مأرب.
وفي عام 2023 أدرجت اليونسكو معالم مملكة سبأ القديمة في مأرب على قائمة التراث العالمي، في ملف متسلسل يضم سبعة مواقع أثرية، باعتبارها شاهدا استثنائيا على الإنجازات المعمارية والتقنية والتنظيمية للحضارة السبئية في عهد ملكتها بلقيس.

بلقيس.. حكاية لم تنته
نملك مدينة كاملة حملت اسم سبأ، ونملك معابدها وأسوارها ونقوشها ومنظومة ريها، ونملك قصة الملكة بلقيس التي حكمت من مأرب وبقيت حاضرة في الذاكرة منذ قرون.
ولهذا فإن بلقيس، في ذاكرة سبأ، ليست مجرد ملكة نبحث عن قصرها.
إنها بوابة ندخل منها إلى مأرب القديمة؛ إلى مدينة كانت عاصمة لمملكة واسعة النفوذ حكمتها الملكة بلقيس، وإلى حضارة جعلت من الماء والتجارة والتنظيم أدوات لبناء واحدة من أعظم التجارب الحضارية في جنوب الجزيرة العربية.
ومن هنا تبدأ الحكاية التالية...
من هي مدينة مأرب التي حكمت منها الملكة بلقيس مملكة سبأ؟
وما الذي بقي من عاصمتها القديمة حتى اليوم؟