فجر اليمن.. شهر واحد يقلب موازين الحرب ويهز عرش الحوثي

قوات حكومية في جبهة جنوب مأرب تقتحم مواقع المليشيات الحوثية قوات حكومية في جبهة جنوب مأرب تقتحم مواقع المليشيات الحوثية

شهر واحد كان كافيا لتغيير قواعد اللعبة.

مع انقضاء 30 يوما على انطلاق عملية (فجر اليمن) في الخامس من أكتوبر، لم تعد المعركة في اليمن كما كانت. انتقلت القوات المسلحة من الدفاع وامتصاص الصدمات، إلى الهجوم الشامل، وكسر الحصار، وتدمير خطوط الإمداد، وإعادة رسم خريطة الحرب تمهيدا لتحرير صنعاء واستعادة الدولة.

إنه تحول استراتيجي حاسم، أكده رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي، حين قال إن (فجر اليمن) خيار استراتيجي لا رجعة عنه، ومستمر بثبات حتى إنهاء الانقلاب واستعادة كل مؤسسات الجمهورية.

 من الدفاع إلى المبادرة.. الجبهات تشتعل

من الجوف إلى مأرب، ومن تعز إلى الساحل الغربي، تحركت كل المحاور في وقت واحد، وأربكت حسابات الحوثيين الدفاعية.

الجوف: سقوط الحصون الأولى

في المحور الشرقي لمدينة الحزم، نفذ الجيش عمليات التفاف وتطويق ناجحة بإسناد جوي مركز.

وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد ماجد النزيلي، إن القوات اخترقت الخطوط الدفاعية الأولى للميليشيا، واستعادت السيطرة الكاملة على جبال الدحيضة الاستراتيجية، وجبال حويشيان، وقرون الصيعر.

وهناك، في الدحيضة، سقطت مخازن أسلحة ضخمة كانت تستخدم لمنصات الصواريخ الموجهة ونقاط التحشيد، فيما تواصل القوات تقدمها باتجاه معسكر اللبنات ومنطقة المرازيق.

مأرب: الطريق إلى معسكر ماس

في جبهة مأرب الشرقية، وتحديدا في قطاع رغوان شمالا وشمالا غربا، تواصلت المواجهات العنيفة.

مصادر ميدانية وعسكرية أكدت أن القوات الحكومية حققت تقدما ملموسا باتجاه معسكر ماس الخاضع لسيطرة الحوثيين، واستعادت مواقع حاكمة في منطقة حلحلان غرب رغوان، ودمرت تعزيزات وآليات الميليشيا المتجهة إلى خطوط التماس.

باب المندب: تأمين أهم ممر في العالم

في المحور الساحلي الجنوبي الغربي، حققت العملية إنجازا حيويا: السيطرة على مركز مديرية ذباب، وحماية مضيق باب المندب، وتأمين الملاحة الدولية في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.

وأفشل الجيش وقوات العمالقة ودرع الوطن محاولات التفاف وتسلل حوثية نحو سلسلة جبال كهبوب الاستراتيجية المطلة على المضيق في مديرية المضاربة بلحج، وأجبرت الضربات الصاروخية والمدفعية الميليشيا على التراجع والاندحار باتجاه الوازعية ومفرق البرح الفاصل بين المخا وتعز.

 تعز: من الصمود إلى الهجوم

في تعز، تحولت الجبهات من الصمود الأسطوري أمام الحصار والقصف، إلى امتلاك زمام المبادرة.

استعادت القوات أجزاء واسعة من جبل صبر الاستراتيجي، المطل على المدينة من ارتفاع 3200 متر، بما في ذلك شعب الصراري، وقرى الديباني، وعزلة صنيمات، ومنطقة رباط القرن.

كما كسرت هجمات الحوثيين في جبهة الأقروض بالمسراخ، وجبهات الكريفات والزنوج وجبل هان والضباب.

وفي مقابل هذا الاندحار، لجأت الميليشيا كعادتها إلى الانتقام من المدنيين، باستهداف سوق شعبي مكتظ في منطقة الحضارة بمديرية الوازعية بصاروخ بالستي، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى بينهم أطفال، في مجزرة مروعة تكشف نهج الجماعة في توجيه سلاحها نحو الأبرياء كلما تلقت ضربات موجعة في الجبهات.

ثانيا: لغة الأرقام.. استنزاف غير مسبوق

الحصيلة الرسمية لشهر واحد فقط تروي حجم الانهيار في بنية الميليشيا:

- 40,761 عملية استهداف عسكرية، جمعت بين الضربات الجوية المركزة والقصف المدفعي والصاروخي والاستهداف الميداني المباشر.

- نحو 20,000 عنصر وقيادي وخبير تم تحييدهم، بينهم قيادات ميدانية بارزة وخبراء في تشغيل المنظومات الصاروخية والطيران المسير الإيراني.

- أكثر من 5,000 آلية ومعدة قتالية دمرت وأعطبت، بينها منصات إطلاق صواريخ بالستية، ومصانع تجميع طائرات مسيرة، ومدافع ميدان، ودبابات، وعربات نقل قوات، إضافة إلى نسف مخازن أسلحة استراتيجية في الجوف وصعدة وصنعاء وتعز.

يقول الخبير العسكري والاستراتيجي الدكتور علي العنزي إن المعدل اليومي للعمليات، الذي يتراوح بين 800 إلى 1000 عمل عملياتي يوميا، يضع الحوثيين أمام محرقة استنزاف حقيقية لا يستطيعون تعويضها بالتجنيد الإجباري.

أما رئيس مركز البلاد للدراسات والإعلام حسين الصوفي، فيرى أن الأرقام الدقيقة تؤكد تحول العملية إلى معركة تحرير شاملة، وأن تآكل المخزون البشري دفع قيادة الميليشيا إلى سحب كوادر أمنية ومدراء شرطة ومرور من المحافظات الخاضعة لسيطرتها والدفع بهم إلى الجبهات، في دليل واضح على الانكسار وتداعي المنظومة الميدانية أمام ضربات القوات الحكومية وإسناد التحالف.

الخلاصة:

شهر من (فجر اليمن) لم يكن مجرد عمليات عسكرية، بل إعلان عن مرحلة جديدة: جيش يهاجم في كل المحاور، وميليشيا تتراجع وتفقد قياداتها وعتادها، ومدنيون يدفعون ثمن انتقامها.

المعركة لم تنته بعد، لكن موازينها تغيرت، والطريق إلى صنعاء بات أقرب من أي وقت مضى.