800 مليار يورو تشعل سباق السلاح بين أوروبا وأمريكا

سباق التسلح سباق التسلح

تتحول خطط أوروبا لتعزيز قدراتها الدفاعية إلى منافسة صناعية واقتصادية واسعة، مع اقتراب الاستثمارات المستهدفة لقطاع الدفاع من 800 مليار يورو، في وقت تحاول فيه دول القارة تقليص اعتمادها على السلاح الأمريكي وبناء قاعدة إنتاج أوروبية قادرة على تلبية احتياجاتها العسكرية.

ولا يدور الصراع الجديد حول حجم الإنفاق الدفاعي فقط، بل يمتد إلى هوية الشركات التي ستستحوذ على مليارات إعادة التسلح، وما إذا كانت الأموال الأوروبية ستقود إلى تعزيز الصناعات المحلية أم ستصب مجدداً في مصلحة شركات السلاح الأمريكية.

وقال مصدر أوروبي مطلع على ملف الصناعات الدفاعية إن خطط إعادة التسليح تمثل منافسة مباشرة بين الصناعات الدفاعية الأوروبية والأمريكية، خصوصاً مع توجه الاتحاد الأوروبي إلى ربط جزء من التمويل بتوسيع الإنتاج داخل القارة وتعزيز سلاسل الإمداد المحلية.

وتسعى بروكسل، من خلال برنامج «SAFE»، إلى توفير قروض تصل إلى 150 مليار يورو لدعم الاستثمارات الدفاعية المشتركة، مع اشتراطات تستهدف زيادة المكون الأوروبي في المشاريع الممولة. ووفق المفوضية الأوروبية، يجب أن يأتي ما لا يقل عن 65% من مكونات المشاريع من الاتحاد الأوروبي أو أوكرانيا أو دول أخرى مؤهلة.

لكن الطموح الأوروبي يصطدم بواقع يكشف استمرار الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة. فقد ارتفعت واردات الدول الأوروبية من الأسلحة الرئيسية بنسبة 210% خلال الفترة 2021-2025 مقارنة بالسنوات الخمس السابقة، لتصبح أوروبا أكبر منطقة مستوردة للأسلحة عالمياً بحصة بلغت نحو 33% من إجمالي الواردات.

واستحوذت الأسلحة الأمريكية على 48% من واردات الدول الأوروبية خلال الفترة نفسها، مقابل 7.1% لألمانيا و6.2% لفرنسا، ما يعكس استمرار تفوق واشنطن في تزويد الجيوش الأوروبية بالمعدات العسكرية.

وتزداد الفجوة وضوحاً داخل الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، إذ ارتفعت وارداتها من الأسلحة الرئيسية بنسبة 143% بين 2016-2020 و2021-2025، بينما بلغت حصة الولايات المتحدة 58% من هذه الواردات، مقابل 8.6% لكوريا الجنوبية و7.7% لإسرائيل و7.4% لفرنسا.

ويرتبط جزء كبير من هذا الاعتماد بالطائرات القتالية وأنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى، وهي مجالات تحتاج فيها الجيوش الأوروبية إلى قدرات جاهزة لا يمكن استبدالها سريعاً بمنتجات محلية.

في المقابل، تظهر البيانات أن أوروبا تمتلك قاعدة صناعية دفاعية مؤثرة؛ فقد ارتفعت صادرات دول الاتحاد الأوروبي الـ27 من الأسلحة بنسبة 36% بين الفترتين 2016-2020 و2021-2025، وبلغت حصتها مجتمعة 28% من صادرات الأسلحة العالمية. وسجلت فرنسا وحدها 9.8% من الصادرات العالمية، مقابل 5.7% لألمانيا.

ويرى محللون أن المعضلة الأوروبية لا تكمن في غياب الشركات أو التكنولوجيا، بقدر ما ترتبط بتشتت الإنتاج بين دول القارة، واختلاف المواصفات والاحتياجات العسكرية، فضلاً عن سنوات طويلة من تراجع الإنفاق الدفاعي عقب نهاية الحرب الباردة.

ويقول المحلل الألماني المتخصص في الشؤون الأمنية لوكاس فايس إن السباق الحالي يتجاوز شراء الأسلحة إلى مسألة السيادة الصناعية، مع سعي العواصم الأوروبية إلى امتلاك قدرات دفاعية تمنحها هامشاً أكبر من الاستقلال في اتخاذ القرار خلال الأزمات.

وفي المقابل، يرى المحلل الاقتصادي الأمريكي ناثان ميلر أن إعادة تسليح أوروبا قد تتحول إلى سوق ضخمة أمام شركات الدفاع الأمريكية، سواء من خلال الصفقات المباشرة أو مشاريع الإنتاج المشترك ونقل بعض عمليات التصنيع إلى القارة.

ويشير محللون إلى أن أوروبا قد تضطر خلال المرحلة المقبلة إلى السير في مسارين متوازيين: تطوير صناعتها الدفاعية على المدى الطويل، والاستعانة بموردين خارجيين لتلبية الاحتياجات العاجلة، خصوصاً في ظل امتلاك الشركات الأمريكية خطوط إنتاج واسعة ومنظومات جاهزة.

وبذلك تواجه خطة «صنع في أوروبا» اختباراً مزدوجاً: قدرة القارة على ضخ مئات المليارات في صناعاتها الدفاعية، وقدرتها في الوقت نفسه على تحويل هذه الأموال إلى خطوط إنتاج مشتركة وفعالة تلبي احتياجات عشرات الجيوش الأوروبية بالسرعة المطلوبة.