حين يكون الوجع من طينة الأرض، يصبح الصمت أثقل من الاحتمال. وجبل حبشي، أو جبل ذَخِر كما عرفه الأقدمون، أرضي وأهلي وناسي. فكيف يغمض لابن الجبل جفن، وأرضه التي يحفظ دروبها وشعابها ترزح تحت سيطرة الحوثيين؟
يقف ذَخِر شامخاً غرب صبر، وبينهما وادي الضباب بمياهه الجارية ومتنزهاته البديعة؛ جبلان يتجاوران في الجغرافيا، ويجمعهما التاريخ والمصير. واليوم، وقد هبّت بشائر النصر من قمم صبر، آن لذَخِر أن يستعيد حضوره، فما يحققه أبطال صبر ليس فرحتهم وحدهم، بل رسالة إلى تعز كلها: إرادة الشعوب أصلب من القيود.
وأبلغ حكايات هذا النصر تسطّرها نساء تعز عامة، ونساء صبر خاصة. ألم تخلّد الذاكرة شهيدة القرآن مشيرة محمد قاسم النقيب، وأمّها الحديدية التي حملتها شهيدةً على كتفيها عبر وعورة الجبال، وزوجها الشهيد خلفها في ركب الفداء؟ أيُّ ثبات هذا الذي يحوّل الفقد إلى رمز، والدمعة إلى حكاية وطن؟
يا أهل جبل حبشي، ماذا ننتظر؟
هذا الجبل أنجب رجالاً جنّبوه ويلات الحرب حين كان ذلك ممكناً، وفي مقدمتهم الشيخ محمد عبد الجبار نعمان الحمودي، رحمه الله، صاحب القولة المشهورة حين اجتاح الحوثيون تعز أول مرة: "الجبهات مفتوحة خارج جبل حبشي؛ فمن أراد القتال مع الشرعية فليذهب، ومن أراد القتال مع الحوثيين فليذهب، أما بلادنا فلا". وبموقفه حُميت المراتبة والبريهة ومناطق كثيرة. أما اليوم، وقد فرض الحوثيون أنفسهم على الجبل وأهله، فلم يعد الحياد خياراً.
ومن هذا الجبل قائد محور تعز اللواء الركن خالد فاضل، وقائد جبهة تعز اللواء الركن يوسف علي الشراجي، الذي أطلق الرصاصة الأولى للمقاومة مع رفيقه ابن بني حماد في الحجرية، الشهيد اللواء الركن عدنان الحمادي، قائد اللواء 35 مدرع. فإذا كان قائد المحور وقائد الجبهة من أبنائه، فأيّ عذر يبقى لأهله؟
والأمل معقود على الشيخ سلطان سعيد البركاني، رئيس مجلس النواب، ابن هذه المديرية أصلاً وإن لم يكن مقيماً فيها، فأهل نجد العود كلهم أقاربه، بل جبل حبشي كله أهله، وإن نادى لبّوا. والأمل معقود كذلك على الشيخ الدكتور توفيق محمد عبد الجبار، والشيخ مراد حسن الأمير، والشيخ عبد الرحمن سيف سعد في عدينة، وعضوي مجلس النواب الدكتور محمد ثابت العسلي والشيخ علي الوافي، والمجلس المحلي بالمديرية، ومشايخ المنطقة وضباطها، أن يتداركوا الوضع، ويطهّروا جبلنا وقرانا، ويسهموا في رفع الحصار عن تعز من جهة جبلنا؛ فالأمر مُلحّ، وفي غاية الأهمية والإلحاح.
النداء
أرضٌ أنجبت هؤلاء، وغيرهم كثيرين من الأحرار والشجعان، لا يليق بكل أبنائها أن يقفوا متفرجين. وقد آن أوان الفعل لا القول:
إلى أبناء جبل حبشي في الداخل والخارج: هذا يوم النفير. من كان قادراً على حمل السلاح فليلتحق بإخوانه في صفوف الجيش والمقاومة عبر قيادة المحور والجبهة، ومن لم يستطع فليكن عوناً بماله ورأيه وكلمته. ولنُشكّل في كل عزلة لجنة من شبابها ووجهائها تكون صلة الوصل مع القيادة العسكرية، فالنصر يصنعه التنظيم لا الحماسة وحدها. ولنترك خلافاتنا الصغيرة جانباً، فالأرض لا تنتظر المتنازعين.
إلى المشايخ والعقّال والوجهاء: أنتم حرّاس القرى وضمير أهلها. لا تسمحوا للحوثيين ومن والاهم بأن يتخذوا من بيوتنا متارس، ولا من مدارسنا ومساجدنا ثكنات، ولا من أبنائنا وقوداً لحروبهم. امنعوا تجنيد الصغار، واحفظوا القرى من أن تُستباح، وقفوا مع أهلكم وقفة الشيخ محمد عبد الجبار يوم قال: أما بلادنا فلا.
إلى قيادة محور تعز وجبهتها: أبناء الجبل مستعدون، فلا تتركوا عزيمتهم بلا سند. نطالبكم بفتح باب الالتحاق المنظم لأبناء المديرية، وتسليحهم وتجهيزهم سريعاً، وإسناد جبهة جبل حبشي بما يليق بأهميتها لتعز كلها وللساحل الغربي أيضاً؛ فهي البوابة الغربية للمدينة وطريقها إلى الساحل، ومن خلالها يُراد إطباق الحصار عليها.
إلى فخامة الرئيس ومجلس القيادة الرئاسي: تعز اليوم في لحظة فارقة، وبشائر صبر فرصة لا تُفوَّت. نناشدكم أن تجعلوا معركة تعز أولوية، وأن تمدّوا جبهاتها بالدعم العاجل سلاحاً وعتاداً وإسناداً؛ فتعز التي حملت الجمهورية في قلبها، وجَمْهَرت اليمن حتى صار لها في عنق الوطن دَين، تستحق اليوم أن يُردّ لها الدَّين، وأن تُحمل في قلب الدولة.
ألف تحية لأبطال المسراخ والأقروض وهم يستعيدون المواقع ويسطّرون أروع البطولات، والرحمة للشهداء، والشفاء للجرحى.
من ذَخِر إلى صبر، ومن التربة إلى صنعاء، الغاية واحدة: استعادة الدولة والجمهورية. وعقبال جبل حبشي وكل شبر يمني، حتى تتعانق القمم على موعد مع الحرية.
والنصر نصنعه بوحدتنا.
