مليشيا الحوثي من الحوار إلى نقض العهود

شروط معقدة تسعى الجماعة الحوثية إلى فرضها على خصومها في مراحل التفاوض كلها (أ.ب) شروط معقدة تسعى الجماعة الحوثية إلى فرضها على خصومها في مراحل التفاوض كلها (أ.ب)

يكشف مسار التفاوض في اليمن عن حقيقة ثابتة، مليشيا الحوثي توقع ثم تتراجع، وتلتزم على الورق ثم تعرقل على الأرض، ومن مؤتمر الحوار إلى اتفاق السلم والشراكة وصولا إلى استوكهولم وهدنة 2022 وخارطة الطريق ظلت الفجوة واسعة بين ما تعهدت به وما نفذته، ما أبقى الحرب مفتوحة وأثقل كلفة المدنيين.

البداية كانت في الحوار الوطني 2013 - 2014 حيث وقعت المليشيا على المخرجات في يناير 2014 ثم رفضت مشروع الأقاليم الستة، وفي 21 سبتمبر 2014 سيطرت على صنعاء بالقوة بالتزامن مع توقيع اتفاق السلم والشراكة برعاية أممية، ورفضت توقيع الملحق الأمني وواصلت الاستيلاء على مؤسسات الدولة حتى تقويض السلطة الانتقالية مطلع 2015، وقدمت تمددها كثورة بينما كان يمثل انقلابا على التوافق.

وفي عام 2015 رفضت مليشيا الحوثي قرار مجلس الأمن 2216 الذي طالبها بالانسحاب من المناطق وتسليم السلاح واعتبرته منحازا، لترسخ نهجا يرى الاتفاقات هدنا مؤقتة لاستجماع القوة لا مدخلا لحل.

اتفاق استوكهولم.. تعهدات موقعة وتنفيذ معطل

في 13 ديسمبر 2018 توصلت الحكومة ومليشيا الحوثي في السويد برعاية أممية إلى اتفاق تضمن وقف إطلاق النار وإعادة الانتشار في الحديدة وموانئها وآلية لتبادل الأسرى وتفاهمات لفتح طرق تعز، وأيده مجلس الأمن بالقرار 2451.

لكن التنفيذ تعثر منذ أيامه الأولى، وأشارت تقارير أممية إلى خلافات حول إعادة الانتشار وخروقات لوقف النار واستخدام إيرادات الموانئ بشكل أحادي وقيود فرضت على بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، كما نقلت تقارير موقف الحكومة الذي يتهم المليشيا بعدم تسليم خرائط الألغام وعدم الالتزام بترتيبات الأمن المحلي وعدم توريد إيرادات الموانئ إلى البنك المركزي لدفع المرتبات.

بهذا السلوك أبقت المليشيا سيطرتها الفعلية على الموانئ وحولت مواردها لتعزيز قدراتها العسكرية بدلا من صرف المرتبات كما نص الاتفاق.

تعز.. تفاهمات متكررة وطرق مغلقة

نص تفاهم تعز في استوكهولم على تشكيل لجنة مشتركة بمشاركة المجتمع المدني والأمم المتحدة لبحث فتح الطرق، لكنه لم يتحول إلى عبور فعلي وآمن، وظل ملف الطرق عالقا في كل جولة تفاوض لاحقة.

وفي يوليو 2022 اقترح المبعوث الأممي هانس غروندبرغ فتح أربعة طرق في تعز ضمن مرحلة أولى إضافة إلى طرق في مأرب والبيضاء والجوف والحديدة والضالع، مؤكدا حاجة التنفيذ إلى اتفاق وتنسيق لضمان مرور مستدام، وفي أكتوبر 2022 أعرب مجلس الأمن عن قلقه لعدم التقدم ودعا مليشيا الحوثي إلى إبداء المرونة وفتح الطرق الرئيسية فورا، فيما أكدت دراسة لمركز ACLED في مارس 2024 أن ملف الطرق بقي معطلا رغم اتفاق استوكهولم وهدنة 2022.

هدنة 2022.. انفراج استفادت منه المليشيا ثم عرقلت تمديده

في 2 أبريل 2022 دخلت هدنة أممية حيز التنفيذ لشهرين شملت وقف العمليات الهجومية والسماح بدخول سفن الوقود إلى الحديدة واستئناف الرحلات من مطار صنعاء والتفاوض على فتح الطرق، وأسهمت في خفض الخسائر المدنية وزيادة الوقود وعودة الرحلات بعد سنوات.

واستفادت مليشيا الحوثي من مكاسبها الإنسانية والاقتصادية لكنها عرقلت استكمال بنودها، خصوصا فتح الطرق والترتيبات الاقتصادية، وتم تمديد الهدنة مرتين قبل انتهائها في 2 أكتوبر 2022 دون اتفاق على التمديد، وأوضح مجلس الأمن في 5 أكتوبر 2022 أن مطالب وصفها بالمفرطة طرحتها المليشيا في الأيام الأخيرة أعاقت جهود الأمم المتحدة للتوصل إلى تمديد.

خارطة الطريق وملفات الابتزاز

في ديسمبر 2023 أعلنت الأمم المتحدة التزام الأطراف بمجموعة تدابير تمهيدا لخارطة طريق تشمل وقفا شاملا لإطلاق النار ودفع رواتب القطاع العام واستئناف تصدير النفط وفتح طرق تعز وتخفيف قيود المطار والميناء، وجدد المبعوث التأكيد عليها في مارس 2025، لكن الإعلان بقي دون تحويل إلى جدول زمني وآليات تحقق.

ولم تقتصر ممارسات المليشيا على الملفات العسكرية، فملف خزان صافر ظل سنوات ورقة ابتزاز بيئي حتى تفريغ النفط، كما تثير اعتقالات موظفي الأمم المتحدة والعاملين الإنسانيين شكوكا حول احترام الالتزامات الدولية، وفي يوليو 2026 استخدمت المليشيا أزمة رحلة الطائرة الإيرانية إلى صنعاء ذريعة لإنهاء التهدئة وشن هجمات باتجاه السعودية وإعلان ما سمته حصارا بحريا.

لماذا تتحمل مليشيا الحوثي المسؤولية

تكشف الوقائع أن المليشيا تتعامل مع الاتفاقات كمحطة لإدارة الصراع وتثبيت المكاسب لا لإنهائه، فهي تستفيد من الفراغات السياسية والعسكرية وتوظف الملفات الإنسانية كأوراق تفاوض، وتغيب الثقة في أي تعهد دون آليات تجعل كلفة التنصل أعلى من كلفة الالتزام.

وتؤكد تجارب الحديدة وتعز والهدنة أن الاختبار الحقيقي ليس في التوقيع بل في التنفيذ، هل توقف التصعيد، هل فتحت الطرق، هل صرفت الرواتب، هل سلمت الخرائط وأزيلت الألغام، وهل احترم العمل الإنساني، وما لم تجب المليشيا عمليا عن هذه الأسئلة سيبقى أي اتفاق جديد معرضا لمصير سابقيه.