ثورة 14 أكتوبر.. من شرارة ردفان إلى استقلال جنوب اليمن

ثورة 14 اكتوبر في ذاكرة اليمن ثورة 14 اكتوبر في ذاكرة اليمن

ثورة 14 أكتوبر 1963 ليست مجرد تاريخ في ذاكرة اليمن، بل هي لحظة تحول أعادت رسم خريطة جنوب اليمن والجزيرة العربية. انطلقت من جبال ردفان الشاهقة لتسقط أطول احتلال بريطاني في المنطقة استمر 128 عاما، وتمهد لقيام جمهورية اليمن الجنوبية ثم طريق الوحدة.

كيف بدأ الاستعمار؟

في 19 يناير 1839 احتلت بريطانيا عدن بعد قصفها بالبوارج، وحولتها إلى مستعمرة ومحطة استراتيجية لتأمين طريق الهند وتجارة الشرق. 

ومع الوقت مدت نفوذها عبر اتفاقيات حماية مع سلطنات ومشيخات الجنوب التي عرفت بـ محميات عدن الشرقية والغربية، وفرضت نظاما يقوم على تجزئة الأرض وإدارة السكان عبر الشيوخ والسلاطين.

منذ الأربعينيات بدأت تتشكل الحركة الوطنية في عدن، عبر النقابات العمالية، والجمعيات الثقافية، والأندية، وصحف مثل الفتاة والأيام، ثم انتقل العمل إلى تنظيمات سياسية مثل رابطة أبناء الجنوب، والمؤتمر العمالي، وحركة القوميين العرب.

شرارة ردفان

التحول الحاسم جاء في 14 أكتوبر 1963 عندما فجر المناضل راجح بن غالب لبوزة الشرارة الأولى للكفاح المسلح في جبال ردفان بمحافظة لحج حاليا، بعد إسقاط طائرة بريطانية ومهاجمة دورية استعمارية.

لم تكن العملية عسكرية فقط، بل كانت إعلانا ببدء مرحلة جديدة. ومن ردفان انتقلت الثورة إلى الضالع ويافع وأبين وشبوة وحضرموت، وتبنت الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل بقيادة قحطان الشعبي وفيصل عبداللطيف الشعبي العمل المسلح المنظم.

في مواجهتها، شكل الاستعمار قواته المحلية والجيش الفيدرالي، وشن حملات عسكرية واسعة على ردفان والضالع، لكنه فشل في احتواء الثورة التي اعتمدت على حرب العصابات والدعم الشعبي.

عدن.. جبهة ثانية

بالتوازي مع الريف، تحولت عدن إلى جبهة مشتعلة. نفذ الفدائيون عمليات نوعية ضد القوات البريطانية ومقراتها في كريتر والمعلا والتواهي. 

وأصبحت المدينة التي كانت تبدو آمنة للاستعمار غير قابلة للحكم، مع إضرابات عمالية واسعة قادها الاتحاد العام لنقابات عمال الجنوب.

وأمام هذا الضغط المزدوج، أدركت لندن أن البقاء مكلف، خاصة مع تصاعد المد القومي العربي بعد ثورة 26 سبتمبر 1962 في صنعاء التي شكلت حاضنة سياسية وعسكرية لثوار 14 اكتوبر جنوب اليمن.

طريق الاستقلال

في 1965 دخلت جبهة التحرير على خط العمل المسلح، وتعددت الجبهات لكن الهدف ظل واحدا. ومع انسداد الأفق أمام بريطانيا، بدأت مفاوضات جنيف في نوفمبر 1967 بين الجبهة القومية والحكومة البريطانية.

في 30 نوفمبر 1967 غادر آخر جندي بريطاني عدن، وأعلن استقلال الجنوب وقيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية وعاصمتها عدن، ليصبح قحطان الشعبي أول رئيس لها.

ماذا حققت الثورة؟

1- أنهت 128 عاما من الاستعمار المباشر، وهو الأطول في جنوب شبه الجزيرة.
2- وحدت أكثر من 23 سلطنة ومشيخة وإمارة في كيان وطني واحد لأول مرة.
3- كسرت فكرة أن عدن قاعدة لا تقهر، وكانت ضمن موجة التحرر العالمية في الستينيات.
4- مهدت لاحقا لمسار الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، حيث اعتبر الجنوبيون ثورة أكتوبر امتدادا لثورة سبتمبر.

لماذا نتذكرها اليوم؟

بعد 63 عاما، لا تزال قيم أكتوبر حاضرة: رفض الوصاية الخارجية، وحدة الأرض، والدولة القائمة على المواطنة لا على التجزئة. وفي ظل الحرب الحالية وتعدد المشاريع الخارجية، يعاد قراءة أكتوبر كدرس بأن الجغرافيا المعقدة والمشاريع الصغيرة تنكسر عندما تتوحد الإرادة الشعبية.

أكتوبر لم تكن معركة جبال فقط، بل كانت معركة وعي، بدأت برصاصة في ردفان وانتهت بعلم الاستقلال يرفرف فوق صيرة.