من باب المندب إلى تعز.. جغرافيا جديدة للحرب

مضيق باب المندب مضيق باب المندب

لم تعد معركة اليمن تدور حول خطوط تماس ثابتة، ما يجري منذ مطلع أكتوبر يكشف تغيرا في طبيعة الخريطة العسكرية من الساحل الغربي عند باب المندب وذوباب والمخا صعودا نحو المرتفعات الموصلة إلى تعز.

وفي 5 أكتوبر 2026 أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي انطلاق عملية فجر اليمن بهدف استعادة مؤسسات الدولة والأراضي الواقعة تحت سيطرة مليشيا الحوثي وصولا إلى تحرير صنعاء. وبعد ساعات أعلنت القوات المسلحة بمساندة ألوية العمالقة وقوات درع الوطن والمقاومة الشعبية والإسناد الجوي استعادة مواقع في باب المندب وذوباب ومطار ذوباب ومعسكر العمري ومدينة المخا.

وفي سبتمبر تقدمت مليشيا الحوثي نحو مناطق ساحلية استراتيجية، وحذرت الأمم المتحدة في 15 سبتمبر من تصاعد القتال حول باب المندب وتقدم المليشيا باتجاه المضيق وسيطرتها على جزر جنوب البحر الأحمر.

باب المندب نقطة تتجاوز حدود اليمن، فالمضيق يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي وهو ممر رئيسي للتجارة والطاقة، وأي تغير عسكري فيه يكتسب أهمية تتجاوز تعز. وقالت القيادة الرئاسية إن القوات الحكومية تمكنت خلال فجر اليمن من استعادة مناطق استراتيجية في ذوباب وباب المندب وتأمين الممر الحيوي.

ذوباب رغم صغرها تمثل حلقة وصل بين البحر والداخل، فهي في أقصى غرب تعز قرب باب المندب وتنتقل منها الطرق نحو المرتفعات. وأعلنت القوات الحكومية تحريرها وقطع طرق الإمداد المؤدية إلى المضيق، لتصبح جزءا من مثلث يضم باب المندب والمخا وتعز.

المخا قلب الساحل الغربي لموقعها ومينائها شمال باب المندب واتصالها بتعز. وكانت مليشيا الحوثي سيطرت عليها مطلع سبتمبر قبل أن تستعيدها القوات الحكومية في 5 أكتوبر. ويمثل استعادتها عقدة تؤثر في كامل الخط الساحلي جنوب غرب تعز.

الساحل وحده لا يحسم المعركة، فالسيطرة على مدينة ساحلية تحتاج تأمين محيطها والمرتفعات المطلة عليها. وتشير تحليلات ميدانية إلى أن طبيعة تعز الجبلية ساعدت القوات الحكومية على وقف اندفاعة المليشيا بعد مكاسبها الساحلية.

وكانت تعز من أكثر الجبهات سخونة، وحذر المبعوث الأممي في 1 أكتوبر من التصعيد فيها مع سقوط ضحايا وتضرر بنية وإغلاق طرق، فيما استمر القتال في مقبنة وجبل حبشي والأقروض. وتظهر التربة كبوابة جنوبية لتعز قرب خطوط الحركة من عدن ولحج والساحل، وتمتد المنطقة بينها وبين ذوباب كحزام واحد تتداخل فيه خطوط الساحل مع الطرق الداخلية.

ومن أبرز التطورات قطع الطريق بين ذوباب والمخا ومحاصرة عناصر من مليشيا الحوثي في ذوباب، ما يكشف أن الحرب أيضا حرب حركة وطرق وإمدادات. وأعلنت القوات الحكومية استمرار تقدمها نحو الخوخة في الحديدة.

فجر اليمن يمثل انتقالا من الدفاع إلى الهجوم. ففي 4 أكتوبر أعلن العليمي الانتقال من الاستعداد إلى العمليات لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية، وفي 5 أكتوبر حدد أهدافها باستعادة مؤسسات الدولة وتحرير صنعاء وإنهاء انقلاب المليشيا. وأعلن الجيش تنفيذ عمليات على محاور متعددة بينها صعدة والجوف وتعز والساحل.

الاختبار الحقيقي بعد السيطرة هو تثبيت المواقع وتأمين الطرق ومنع الهجمات المضادة وحماية المدنيين وإعادة الخدمات، وهو ما أكده العليمي بأن الهدف إعادة الدولة وليس الأرض فقط.

وللحرب كلفة إنسانية، فسجلت منظمة الهجرة بين 27 سبتمبر و3 أكتوبر نزوح أكثر من 21 ألف شخص، كانت تعز في مقدمتها من الوازعية وجبل حبشي والشمايتين إضافة إلى الحديدة ولحج.

وباب المندب جزء من منظومة الملاحة الدولية، وحذر المبعوث الأممي في أغسطس من تجدد الهجمات على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن.

الخلاصة أن الخريطة تغيرت من باب المندب إلى ذوباب إلى المخا إلى الوازعية والمرتفعات إلى التربة إلى تعز، فالساحل يحتاج الجبل والجبل يحتاج الساحل. وما حدث في 5 أكتوبر يمثل وفق البيانات الحكومية واحدا من أكبر التحولات منذ بدء التصعيد، لكن قيمته ستتحدد بقدرة القوات الحكومية على تثبيت المواقع وربط الساحل بالعمق ومنع المليشيا من إعادة بناء خطوطها.